ابو القاسم عبد الكريم القشيري
234
كتاب المعراج
يزيد البسطامي ، رضي اللّه عنه ، يقول : إنّي رأيت في المنام ، كأنّي عرجت إلى السّماوات قاصدا إلى اللّه ، طالبا لمواصلة اللّه سبحانه وتعالى ، على أن أقيم معه إلى الأبد . فامتحنت بامتحان لا تقوم له السّماوات والأرض ومن فيهما . لأنه بسط لي بساط العطايا نوعا بعد نوع . وعرض عليّ ملك كلّ سماء . ففي ذلك كنت أغضّ بصري عنها ، لمّا علمت أنه بها يجرّبني . فكنت لا ألتفت إليها إجلالا لحرمة ربّي . وكنت أقول في كل ذلك : يا عزيزي ، مرادي غير ما تعرض عليّ . قال : فقلت له : رحمك اللّه ، صف لي ممّا عرض عليك من ملك كل سماء . السماء الدنيا قال : رأيت في المنام كأنّي عرجت إلى السّماوات . فلمّا أتيت إلى السّماء الدّنيا ، فإذا أنا بطير أخضر . فنشر جناحا من أجنحته . فحملني عليه ، وطار بي حتى انتهى بي انتهائي إلى صفوف الملائكة . وهم قيام ، متحرقة أقدامهم في النّجوم . يسبّحون اللّه بكرة وعشيّا . فسلّمت عليهم . فردّوا عليّ السّلام . فوضعني الطّير بينهم ثمّ مضى . فلم أزل أسبّح اللّه تعالى بينهم . وأحمد اللّه تعالى بلسانهم . وهم يقولون : هذا آدميّ لا نوريّ . إذ لجأ إلينا وتكلّم معنا . قال : فألهمت كلمات ، وقلت : باسم اللّه القادر على أن يغنيني عنكم . ثم لم يزل يعرض عليّ من الملك ما كلّت الألسن عن نعمته وصفته . فعلمت أنه بها يجرّبني . ففي ذلك كنت أقول : مرادي غير ما تعرض عليّ . فلم ألتفت إليها إجلالا لحرمته .